16‏/07‏/2007

سقوط الطفل


سقوط الطفل

تأتني خفيفة كالظل .
أسند راسي الطفل على ركبتيها .
تحضن تيهي لحظة..
فيعود إلى أحشائي الساغبة حليب الثدي ،
 تصعد الطفولة في العروق.
 تداعب أناملها شعري الذي شاب ،
اذكر أني لم ألعب كما الأطفال يلعبون،
 "ولدت رجلا،
هكذا كانت تهمس لي ،
و أنت رجلي الذي توجعت به"
 فجئت كما اشتهيتك،
لكنك ابتعدت كثيرا
حين احتجت إلى قربك .
 وظل الطفل كامنا في الأحشاء".
 و لكي لا تسمعها الجدران،
 تسر لي:
"سأسافر عمدا غدا،
 يا طفلي الكبير".
 في مثل هذه الليلة الكئيبة،
 أمي لا تنام،
تسابق الصبح إلى الشروق ،
 و أقبع قرب سهادها..
و في كفي كفها.. كأني أمسك الطفل الذي كنته
 كي لا يفر مني غدا،
 و عندما يصرخ قطار الفراق في محطة الوداع،
 تفر مني الطفولة
متعبة بأحلامي الصغيرة.
فأعود إلى الشيخ الذي صرته.
يسقط الطفل مضرجا
بيتمه اللعين.



لمجيد تومرت /خريبكة /المغرب

15‏/07‏/2007

مرثية النور الهارب


(إلى روح أمي "فاطمة" التي فاضت روحها و هي تجري عملية جراحية بسيطة على العين ، رافقتها إلى المستشفي حية سليمة و عدت بها جثة هامدة)
---------------------------------------------------------
أأبكي فقدك أم أبكي يتمي؟؟
يا راحلة عن عيني بدون استئذان.
أبدا ..لن ترحلي عن عيني و وجداني.
لو كنت أعلم أن موعدك قد حان.
و أنت تركضين وراء بصيص النور الهارب
خلف نتوء الأعوام ،
كنت منحتك عيني
كي أرى الدنيا بصفاء الروح فيك
فقد لوثت روحي رحلة العطش و الأحزان
قبل أن أرتوي منك ..
فما زلت الطفل الذي انتزع من حضنك عمدا
فتمرد على الفطام.
لكني أضفت، على حين غرة،
إلى لائحة الأيتام.
أقدر أن يكون لقاؤنا الأخير مع الموت..؟؟
و أن أسوقك إلى مقصلته ؟؟
كانت أصابعك ترتعش في كفي
و نحن نصعد سلم المنية،
ليثني ما نزلت،
فأتممت معك الصعود.
كنت أحلم بلقاء يتجدد فيطول،
أغيب زمنا ثم أهفو إليك .
نلتقي ..
نفترق كعادتنا عند رصيف المحطة.
يودعني منديلك
قد بلله دمع شوق يسابق الفراق .
قدري يا أمي،..
أن أسوقك إلى القبر
في آخر لقاء.
ليثني أخلفت الموعد كعادتي
و عشت معك في لقاءات الأحلام .
أكان لابد أن يستوي البصر و العمر
كي يخفيك عن عيني ثرى هذا القبر ؟؟؟
اكتمل اليتم برحليك ،
فمن تكون أمي ...
و أنا الطفل الذي شاخ قبل الأوان؟؟؟
كان عليك أن تتحملي الجرح...
هيهات أن تتحملي...
وهن الجسم الذي أثخنته الجراح.
كيف لقلب مثل قلبك ،
أن يتحمل نبضه ؟؟؟
كانت فرحة النور قاسية ..
لم تكتمل.
آبت الروح إلى ربها ،
و أبت إلى يتمي و ضياعي.
فمن تبحث عني في غرف الظلام
بقلبها المرعوب ؟؟
من تطهر قلبي بدمعها من خوفه ؟؟
لو كنت أعلم أن موعدك قد حان ؟
كنت منحتك عيني...
إني قد ألفت الظلام .
لكنني أخلفت الموعد
و بصيص النور الذي انتظرته زمنا
أخلف الموعد و خان .
ويحي !!..ما صدقت بعد
أننا قد صعدنا الدرج معا
و ضحكنا كطفلين ...!!
لكن الأصابع ارتعش في كفي،
أكانت رعشتك خوفا أم فرحا
خانه قلب قد أتعبه الخفقان ؟؟
لا أملك منك الآن غير حفنة
سرقتها خلسة من تراب القبر
و قبلة على الرأس قد جلله المشيب
وأخرى على جبين بارد جلل السكون.
و حين قبلت اليد...
لم تكن أصابعك ترتعش ..
أمت يا أمي ،...
أم هو الجسد الآن يستريح ؟؟؟
أأبكيك أم أبكي نفسي ؟؟
ما عاد المنديل يلوح لي عند المحطة
فمتى يستريح قطاري ؟؟؟
نامي يا أمي ،
نامي.
في سويداء قلبي
...نامي،
ستفيض بذكرك الثر
قصائدي و أشعاري .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(لمجيد تومرت / ابن جرير يوم الجمعة 02 فبراير 2007 )

أجنحة الكلام


أجنحة الكلام


وصله خبر وفاة الوالد متأخرا،وكان عليه أن يقطع المسافة الممتدة بين مدينة إقامته والمدينة التي تستقر بها الآسرة في حدود أربع ساعات طويلة متثائبة.اكتشف فيما بعد ،أن زوجة أبيه هي من حبكت الحدوتة .فقد فوجئت بهذا الموت السريع،فكان عليها أن تخفي ما تخفي عن الورثة من أبناء الزوجة الأولى .وأن تعجل بإجراءات الدفن قبل إن يلتحق بقية الأبناء والأهل....دخل الغرفة الهزيلة حيث كان الوالد يتحصن فيها في شبه خلوة وزهد ..بكى على سريره ما شاء له أن يبكي ..خمس سنوات لم ير فيها وجه أبيه ..قبل أيام كان يعد العدة لإنهاء هذه القطيعة الاضطرارية..اخبر أمه وأشقاءه وشقيقاته بما عزم عليه..لكن الموت حسم كل شيء ...في اليوم الموالي ، اتجه خلسة نحو المقبرة ..و حين وقف في خشوع أمام القبر، بدا له شامخا متعاليا..وبدا هو ضئيلا متقزما أمام هذا الشموخ ..نفس الصورة... ننفس الموقف والإحساس ينتابه، حين كان طفلا يقف مرعوبا أمام هالة الأب الجبار ..فلا يستطيع الكلام ..فتنحبس الرغبات بصدره ..لم يكن يدري أكان ذلك خوفا ورعبا أم هي هيبة الأب والوقار...أحس في دواخله بفقد عميق.. عميق ..وحين كان القطار ينهب الطريق في رحلة العودة ، كان يسترجع هذه الصورة الهلامية ،تتعالق فيها مشاهد الطفولة المغتصبة ومراسيم الدفن الهزيل والأمنيات الضائعة ...أحس برغبة شديدة في الكتابة ..سحب القلم ومذكرته من جيب معطفه الداخلي ..وراح يكتب
أنت...! أنت...!
أيها الشبح المعطل
كيف تسللت إلى القلب من غياهب الذاكرة؟
الآن ...فقط..
في الدفن الهزيل ..
أمام الرمس العالي
تصعد سياطك إلى دموعي
تشتعل الجراحات المندملة
فتجتاحني عواصف الطفولة..
أرتجف أمام محرابك الممنوع...
آه..كم أحتاجك الآن...
إلى صرامة القسمات في وجهك المكابر
كي أراني ..فيك..
شامخا..
كما كنت..
فأخترق ضعفي .
إني لملمت عمرا من كلام
وغرائزـ عمدا- مؤجلة،
وحملت صخرتي حلما منيعا
كي ألقاك عند منتهى الشموخ..
ماذا لو اقتحمت الآن زهدك الحصن
وصمتك العالي؟؟؟
الآن فقط
بعد الهجعة،وخرس الصخرة
تنبت للطفل، المشرنق بالدواخل
أجنحة الكلام.
*******************
لمجيد تمرت /خريبكة /المغرب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ